بلدية طرابلس
أقلام وأفكار حرة

* أقلام وأفكار حرة – الإرهاب الفكري… إرهابا من نوعا آخر بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

الإرهاب الفكري… إرهابا من نوعا آخر
بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي
هناك سر غامض بمعاناة الكثير من المفكرين والعلماء والطلاب والساسة والاقتصاديين والعديد من مدمني العمل الفكري جراء أعباء الحمل النفسي والنظري والفكري الشديد، الأمر الذي يؤدي في الغالب إلى الإصابة بأنواع متعدد من الاضطرابات وأحيانًا الأمراض الخطيرة فما السر وراء كل هذه المظاهر وأين تكمن المشكلة الخفية. ولربما إن مستقبل البشرية يعتمد بشكل مباشر على نمو قدراتها الفكرية غير إن وجوب توفر شرط التطور الكامل للذكاء البشري والتكثيف الأقصى لأعماله وفي كثير من الحالات يأتي ذلك بالضد من عقبة صعبة اسمها الضغط المعلوماتي والمعدة كصاعقة فتبرز المشكلة بصور ذات إطار إرهابي جديد وتحت مسمى الإرهاب الفكري والتي للأسف غالباً ما تهمل معتبرة أنها ثانوية إن لم تكن منعدمة تماماً وليس كل شخص يفكر بذلك.
يعتقد بعض العلماء أن ضغوط المعلومات تنشأ في حالة الإفراط في المعلومات حينما لا يتعامل الشخص مع المهمة وليس لديه الوقت لاتخاذ القرارات الصحيحة بالسرعة المطلوبة مع تحمل المسؤولية العالية عن عواقب القرارات التي يتخذها. وان الإجهاد والاضطرابات الفكرية التي يسببها لها تأثير كبير على حياة وصحة الشخص لحدوث تأثيرات ضارة غير مطلوبة على الإطلاق وأن العامل المؤثر قوي للغاية, وغير معتاد وقد ثبت أن العامل الطبيعي والمتوسط يمكن أن يكون له تأثير إجهاد قوي, كما يمكن أن يؤدي الإجهاد إلى استنفاد عام للجسم ليصل حتى الموت.
على الرغم من إن الأدوات والنظريات المطروحة والتي تحاول إن تكون دواء مفيد غير أنها بلا نتيجة، فإلى أين ستؤدي؟ وان عدم مواكبة الزيادة المطردة في تعقيد عمليات الحضارة التي تتجاوز إلى حد كبير القدرات الفكرية المتاحة للبشرية فستضطر إلى تعويض ضعف ونقص الأدوات الفكرية بسببية الإرهاق العصبي وزيادة ساعات العمل لمدمني الفكر والعمل طوعيا وإجباريا.
إن الإرهاب الفكري وضع اجتماعي خاص عند المجتمع يشكل نظام المعايير الأخلاقية والقيم الاجتماعية فضلا عن نظام الحوافز المباشرة وغير المباشرة واستخدامها لفرض نمط من العمل الفكري، كما شكل ويشكل خطر كبير يؤدي إلى الحمولة الفكرية والمضايقة الروحية والنفسية الزائدة أو غيرها من العواقب السلبية التي تضر بالصحة البدنية والعقلية والحد من الجودة أو تقصير العمر المتوقع, والمفارقة العجيبة هي أن الإرهاب الفكري حتى لو كان يتسبب وينطوي على الاضطرابات العصبية ومحاولات الانتحار غير انه ابدا لا يعد انتهاكا لحقوق الإنسان داخل النظم العقائدية القائمة والمعايير الأخلاقية.
في رأيي أن الإرهاب الفكري هو ليس فقط تهديدًا واعيًا ولكنه ارعابا وارهابا حقيقيا وخطيرا, والمصادر المتسببة به هي الوسائل الفكرية والأساليب والأدوات الفكرية المتاحة والقديمة التي تستهدف حل المشكلات الفكرية على مبدأ “بأي ثمن” بغض النظر عن التكاليف العقلية الفعلية والآثار العصبية والنفسية، وأكثر ما يزعج أن هذا التناقض يبقى مخفيا ضمنيا لأنه لم يجد لديه للآن مجال في العلم الحديث لاعتباره واحدا من أهم الأولويات والقضايا الشاملة.
وهنا نطرح تساؤلاتنا في هل من الممكن تحسين نوعية الحلول للمشاكل الفكرية المبهمة والمعقدة للغاية واللازمة لتنمية الحضارة وفي الوقت نفسه حماية مدمني الفكر من الحمولات الفكرية الزائدة من الصحة العقلية, وكيفية تسهيل وتحسين عمل العقل البشري, وزيادة إنتاجية التفكير الإبداعي, لتحويل المهام الصعبة والمستحيلة إلى مهام سهلة وممكنة؟ في كلمة واحدة لتحويل الاستشهاد إلى شيء أكثر جدارة بشيء بممتع, فهل من الممكن حل هذه “المهمة الفائقة” على الأقل من حيث المبدأ؟
غير إن تحليل هذه القضايا يكشف عن إن مشكلة جوهرها يتحدد بالأساليب الحديثة للنشاط الفكري المتأثر بفيروس الإرهاب الفكري والذي غالباً ما حوِّل العاملين في مجال العلم والمعرفة والطلاب إلى مرضى ومعاقين روحيا وموتى حياتيا, ومن الضروري تغيير الوضع جذريا وتحقيق تحسن جذري في أشكال وطرق الفكر والعمل العقلي وتعلم حل المشاكل الفكرية المعقدة مع وجوب جودة أعلى وفي وقت زمني أقل ومن دون الإضرار بالصحة. وإن الأمن الفكري لحضارة ما يشكل خاصية معقدة للنشاط الفكري العالمي والذي يسمح بحل المزيد من المهام الفكرية المعقدة في الوقت المناسب وضمان التنمية المستدامة للحضارة، وحماية الدماغ البشري من الحمولات الزائدة الصحية الخطيرة والضارة عبر التقليل منها إلى الحد الأدنى, وان مبدأ الاصابة بالشلل الفكري والروحي ثم محاولة الوصول إلى الشفاء غير فعال من الناحية الاقتصادية ولا هو مجدي من الناحية الطبية.
للقضاء على الخلاف الصارخ بين تعقيد العلم الذي لا يمكن تخيله والقدرات الفكرية المتواضعة للشخص العادي فمن الضروري أن نفهم أن التعقيد النفسي للعلم ليس ثابتًا ومتغير ومن غير الممكن التحكم فيه أو تخفيضه ضمن الحدود المرغوبة, ولتحقيق نتيجة فيستوجب إجراء محاولات تجريبية بأيجاد وابتكار واستخدام أساليب معرفية لإعادة بناء الفكر الحديث بالكامل وفي جميع أقسامه ومنشآته وتحويله من علوم ذات وجه موحش مرهق وخطير إلى علوم ذات وجه إنساني بحيث يمكن للعلم أن يكون فعالًا وايجابي الآثار وليس خطيرًا على صحة الإنسان.
إن إعادة الهيكلة الأساسية للعلوم والتربية على أساس ابتكار وإيجاد جيل جديد من الوسائل الفكرية للقضاء على المظاهر السلبية للإرهاب الفكري هي مهمة غير مسبوقة، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت قابلة للحل وإلى أي مدى ستطول وبما إن الهدف مهم ونبيل لدرجة أننا نرى انه من المفيد إجراء دراسة خاصة لإجراء دراسة أعمق للمشكلة. ولتجنب خطورة حمل وزيادة خطر الإرهاب الفكري نحتاج إلى تقليل العبء الفكري على الدماغ البشري غير إن تواصل تطور الحضارة سيؤدي إلى مضاعفة تعقيد المهام الفكرية وزيادة مستمرة في عددها، مما يجعل الدماغ يتزايد عمله باستمرار فلذا كيف يمكن حل هذا التناقض؟ وهل من الممكن لإفراغ خطر الإرهاب الفكري في الوفاء بمتطلبين متعارضين بتسهيل عمل الدماغ وزيادة إنتاجيته العقلية في نفس الوقت؟

اظهر المزيد
قرية بدر حسون البيئية خان الصابون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock