بلدية طرابلس
أدب

من أنا؟ من أنت؟

المهندس عزام حدبا

الاسئلة الوجودية هي الاسئلة الأكثر تعقيدا على بساطتها.. من أنا؟؟ من أنت؟

سؤال قد يبدو بسيطا من حيث التركيب ولكنه عند التمحيص معقد جدا.. علي ان

انبهكم قبل قراءة المقال انه موضوع فلسفي بامتياز يتحدث في مفهوم الهوية

وهوية الانسان تحديدا.. لكن هذا لا يمنع ان للمقال ارتدادات مثمرة في عالمي

علم النفس وعلم الاجتماع قد تتبدى في مقالات لاحقة..

التماهي بين ما هو ممتلك وبين الأنا

هل تستطيع أن تتخيل حياتك بدون هاتف محمول؟ اصبح الهاتف المحمول جزءا

منا لا نستطيع الاستغناء عنه نظرا لكثرة مهام التواصل والتعلم التي نقوم بها

بواسطته.. تحول الهاتف اذن من أداة خارجية عنا الى عضو من اعضاء الجسد لا

نستطيع الاستغناء عنه كاليد والعين.. لكن ماذا عن الجسد نفسه؟ الجسد نفسه

ممتلك ايضا.. الجسد لا يشكل هويتك خاصة ان خلاياه تتبدل في كل ثانية

والخلايا التي تشكل جسدك الآن ليست هي نفس الخلايا التي شكلته منذ ثلاث

سنين.. الى الآن لم نقدم أي شيء جديد.. نحن فقط نمهد للموضوع

التماهي بين العقل والأنا

اقتنعنا ان الجسد هو من ممتلكات الذات وليس هو الأنا.. ولكن ماذا عن العقل؟؟

ان كنا نقصد بالعقل الدماغ فهو ايضا ليس الأنا.. فالدماغ جزء من الجسد.. ولكنه

اقوى جزء فيه.. صحيح اننا نمتلكه ولكن في الحقيقة هو من يمتلكنا كل الوقت..

هو من يحاول ان يسيطر علينا.. يحب الدماغ المشاكل.. يشبه وحشا يريد ان

ينشب انيابه في كل شيء.. سواء كان هذا الشيء حل معادلة في الفيزياء

النووية او حل كلمات متقاطعة.. لا يتوقف الدماغ عن التفكير ابدا.. حتى لو طلبنا

منه ذلك فهو لا يرضى معنا.. بل يستمر في محاولاته غير آبه برجاءنا..

كيف نتأكد اننا لسنا ما نفكر به

هل شعرت يوما ما انك تكره نفسك؟ او انك لا تستطيع ان تتعايش معها؟ في

هذه الجملة البسيطة دلالة على الانفصام الذي نتحدث عنه.. هل انت الذات

التي تكره؟ ام مجموعة الصفات المكروهة؟ لا تستطيع ان تكون الكيانين معا..

عليك ان تختار.. أنا اختار ان اكون الذات المراقبة.. معظم الروحانيين سيختارون

نفس خياري ليس فقط لأنهم كذلك بل لأنه الخيار الاكثر اقناعا.. القصة هي أن

الافكار التي تجري في عقولنا غير مسيطر عليها بالمرة.. كيف نكون نحن مجموع

هذه الأفكار ونحن لا نرضى عنها؟؟ انها تهاجمنا بضراوة أحيانا.. تؤذينا وتدمرنا..

ومع ذلك لا نستطيع ايقافها.. هل حاولت مرة ان توقف افكارك؟ لأي مدى

تستطيع ذلك؟؟ لن تستطيع الصمود اكثر من دقيقة واحدة حتى تهاجمك من

جديد..

الأفكار والمشاعر والرغبات والخواطر

وحينما اتحدث عن أفكار فانا أضمن معها الرغبات والنزوات.. العواطف والمشاعر

والانفعالات خاصة السلبي منها او ما لا يحمل اي معنى مفيد ومثمر.. الخواطر

السيئة والوساوس والهواجس.. ان كانت الذات هي الكيان الذي يستوعب كل

هذه الحيثيات فلم لا تستطيع التحكم بها؟؟ لم تختار الذات أن تمتلك رغبات

وشهوات مؤذية لها وللآخرين؟ لم أفكر في وساوس وهواجس تتعبني

وترهقني؟ لم اذهب الى الطبيب واقول له هناك اصوات في رأسي أريدها ان

تهدأ؟ الا يدل هذا اني اتعامل مع كل هذه الحيثيات كعوامل خارجية عني؟ وكيف

أتماهى (أنا او الذات) في هذه الحال مع ما هو خارج عني؟

من أنا اذن؟

من أنا اذن؟ أنا الذات المراقبة.. الذات التي تختار من الأفكار ما تقتنع به وتشكل

منه معتقدات وقناعات.. الأفكار التي تمر برأسي لا تمثلني.. المشاعر التي

تنتابني رغما عني لا تمثلني.. الهواجس والمخاوف التي تسيطر علي لا

تمثلني.. كيف تمثلني وانا اشعر انها خارجة عن سيطرتي؟؟ كيف تمثلني وانا

احاربها؟؟ ارفض الاصغاء لها؟؟ لكن علينا ان ننتبه مع ذلك اني لا ابرىء نفسي

من تصرفاتي.. ولا اقبل أن أتهرب انا أو غيري من مسؤولية ما يقوم ويفكر ويتكلم

ويشعر به.. نحن مسؤولون عن كل هذه الظواهر حتى لو لم تكن تمثلنا..

فالانسان مسؤول دوما عن كل خطأ يقوم به أي موظف تحت امرته.. مسؤول عن

أي حادث تقوم به السيارة التي يقودها او الحصان الذي يمتطيه حتى لو لم يكن

يتحكم بهما بشكل تام.. الا يكافىء الفارس على فوزه في سباق الخيول؟؟ كيف

يثاب على شيء ان كان محمودا ولا يعاقب عليه ان حدث تقصير في مكان ما؟

الجسد يما يحويه من تفاعلات هو ملك لنا في النهاية.. ملك للذات حتى لو كان

يجمح كما بينا في الفقرات السابقة ويعصي قناعاتنا وارادتنا.. أليست هذه

مشكلتنا ايضا مع كل ما نمتلكه؟ مع الهاتف المحمول مثلا؟

انها دعوة لاعادة الاعتبار للذات

الانسان اذن هو ذات مراقبة تمتلك كيانا منفصلا عنها مكون من مشاعر تحاول

التحكم به وافكار وهواجس تحاول السيطرة عليه.. وهذا التقسيم لا يهدف لرفع

المسؤولية عن الأخطاء بل يدعو لتحمل المسؤولية عن كل ما نقترفه مع اعادة

الاعتبار للذات.. تخيل الفرق بين ان تنظر لغيرك او لنفسك كشخص سيء، مدمر

ومحطم داخليا، وبين ان تنظر لنفسك وذاتك على أنك شخص مثالي ولكن يعاني

– كما يعاني الكل- من نقاط ضعف تتجلى في صراعات خارجية مع المجتمع

وداخلية مع النفس.. على ان هذا التقسيم لا يلغي ابدا امكانية وجود الشر في

الناس.. فأي ذات تمتلك من القناعات والعقائد ما هو مضر وخاطىء هي ذات

سيئة بالضرورة.. هي ذات تشهد بالباطل.. نحن نتكلم عن ذات لديها الكم الكافي

من المعرفة والصلاح حتى تقيم الأمور ضمن موازينها الصحيحة بحيث لا تعتدي

ولا تطغى ولا تخون العهد ولا تقوم بأي عمل خسيس.. بالمختصر وفق تعريفي

انت تكون أفضل نسخة من نفسك.. وبقية النسخ السيئة او الضعيفة لا تمثلك..

انما هي مجرد صور مشوهة عنك.. أعلم ان الموضوع شائك ولا يمكن حسمه

بمقال واحد .. ولكن أردت من هذا المقال أن يكون بابا لكم ولي نلج منه نحو آفاق

أكثر وضوحا للتعامل مع العقبات والمشاكل والآلالم التي تعترينا في حياتنا.. وهو

ما سيكون موضوع الحلقات المقبلة ان اعطانا الله عمرا…

اظهر المزيد
قرية بدر حسون البيئية خان الصابون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock