بلدية طرابلس
خاص مدينتي

* رواية – حلم فقير وسذاجة غني بقلم خالد محمد سليمان رحمة الحلقة الثانية

* رواية – حلم فقير وسذاجة غني بقلم خالد محمد سليمان رحمة الحلقة الثانية

الحلقة الثانية/سمير في المدرسة:

وعندما بلغ سن السابعة من العمر قرر والده أن يلتحق إبنه سمير بالمدرسه، وأي مدرسة يتحدث عنها؟!
إنها عبارة عن ثلاث غرف كل غرفة لا يزيد حجمها عن 4×5 متر.
أين مكتب (غرفة) الإدارة؟!
أين المشرف التربوي؟!
وأين الأخصائي الإجتماعي؟!
كي ينظر إلى مشكلة سمير – وما شابهها من مشكلات بقية التلاميذ – ويعمل على علاجها أو التخفيف منها، حتى يستطيع سمير التكيف مع الوضع؟!
أو أين الأخصائي النفسي؟!
كي يدرس حالة سمير النفسيه وأبعادها، ثم يقوم بالعمل على علاجها؟!
أين حديقة المدرسة؟!
كي يستطيع سمير التنفيس عن نفسه أثناء سيره داخلها، واللعب بين أوساطها، وأشجارها؟!
أين أخصائي الرياضة؟!
كي يستطيع سمير الترفيه عن نفسه قليلا فتزيل مخاوفه ثم يبدأ التأقلم والتكيف المدرسي، بل أنه سو يعشقها وسوف يفضل البقاء فيها؟!
أين كشوفات المتابعة؟!
حتى يستيع الأخصائي متابعة حالته أولا بأول؟!
أين باص توصيل الطلاب؟!
كي يأخذ سمير – وغيره من التلاميذ – من المنزل إلى المدرسه، ومن المدرسة إلى المنزل، فلربما تقل رهبته، و تتلاشى مخاوفه من الطريق أو من خروجه وحيدا، على الأقل هو بين زملائه.
أين..وأين..وأين..وأين…إلخ
كل ما ذكر ليس له وجود، والمؤسف أن مدير المدرسة نفسه لا يعلم أن تلك الإحتياجات من أساسيات المدرسة ويجب توفيرها، والمخجل من ذلك هو لا يعرف معنى أخصائي إجتماعي، أو ماذا يعني معمل المدرسة.!!!!!!!
كم رفض سمير الذهاب إلى المدرسة، خصوصا أنه لا يعرف العالم الخارجي أبدا، إضافة إلى نواقص ومعانات المدرسة من كل ما ذكرناه على شكل تساؤلات.
المهم..توسل سمير بكل ألوان التوسل لوالده ولكن دون جدوى، فوالده نشأ في عائلة متعلمة، عائلة تقدر وتعرف معنى أن تكون متعلم، وعندما يئس سمير من أبيه إتجه إلى أمه، أخبرها بأنه يخاف الخروج من البيت بمفرده، هدأت أمه من روعه، ووعدته أنها ستحاول إقناع أبيه، وعندما حل الظلام عاد والد سمير من عمله، حدثته الأم بما دار بينها وبين سمير، ثم أخبرته برغبت سمير بعدم ذهابه إلى المدرسة، ترجته هي الأخرى ونفس النتيجة، فرغم التدليل الفائق لسمير إلا أن والده كان صارما في هذا الموقف، وهذا ما جعل نفسية سمير تصاب بصدمة شديدة، فهو لم يتعود على الرفض والمنع، بل على العكس كانت كل طلباته يتم تلبيتها حتى دون حاجة لإعادة تكرار الطلب، ذهب إلى المدرسة ليومه الأول، كم كان الخوف والذعر يبديان على ملامح وجهه، دخل الفصل وهو يرى نظرات زملائه تلاحقه في كل اتجاه، ابتلع سمير ريقه في صمت شديد..في هدوء يشبه الهمس تماما، كل وقت تواجده في المدرسة وهو لا يرى ولا يسمع أحدى، هو فقط يراقب قرع جرس الخروج ليس غيره، فربما أنه كان يشعر أنه في داخل سجن محصن إن لم يكن الجحيم، لقد ابتلت ملابسه – عرقا – من شدة الإرتباك، أما قدماه لا تكاد تستطيع السير أو حتى الوقوف بها، أما بالنسبة لوجهه فقد اصفر تماما، لا تكاد تفرق بينه وبين حبة البرتقال من شدة الصفرة، قرع جرس الخروج، لم ينظر سمير إلى أي شيئ، بل لقد ركض مهرولا وبكل قوته، وكأن أسد أو “وحش” يركض خلفه، وعندما عاد سمير إلى منزله يرى وكأنه خرج من قفص لتوه..يرى أنه دخل الجنة، وفي الليل…
وأثناء نومه سمعت أمه طنطنة ..سمعت وكأن قربة (إناء) مملوء بالماء تم صبها من مكان مرتفع ثم ارتطم في الأسفل بصخر، فزعت الأم، يا الله؟!
ماهذا؟!
هل يعقل أن يكون هناك “جن” في داخل الغرفة؟!
ومن شدة الخوف شلت حركتها، لذلك همست في أذن أبو سمير بعد أن أيقظته من نومه، محمد..محمد اسمع ما هذا الصوت؟!
من أين مصدره يا ترى؟!
أخشى أن يكون هناك جني أو جنية؟!
جني!…ههههه ومن أين أتى؟!
على العموم لا تخافي سوف أذهب لأرى مصدر هذا الصوت.
أم سمير: إنتبه لنفسك، وكن حذرا!
أيضا لا تنس قراءة القرآن أثناء سيرك.
ذهب أبو سمير داخل الغرفة، ليتحسس مصدر هذا الصوت، وما أن دخل الغرفة حتى بهت الصوت، إنه لا يسمع شيئا، وضع يده على أذنه اليمنى ثم أنصت ووجه تركيزه إلى مصدر الصوت لكن لم يسمع شيئا، عاد إلى سريره، وهنا بادرته زوجته سائلة عن سبب مصدر الصوت، أخبرها أبو سمير أن الصوت اختفى بمجرد وصوله وسط الغرفة، وهنا تركز شعر أم سمير فبمجرد أن أنهى أبو سمير حديثه حتى تشبثت به وبكل قواها، بدأت تتمتم..تت..تت..أرجوك أسرع واخرج سمير وأخته من الغرفة، إنني أخشى أن يعمل لهم “الجني” شيئا.
يا ابنت الحلال ما كل هذا الهذيان وهذه الخرابيط، لا يوجد أدنى صوت مما ذكرتي!
أم سمير: أقسم بالله أنني سمعته وأنا في أتم الصحة!
أرجوك..أن تأتي بطفلي من الغرفة، أنني لا أستطيع التحرك من شدة الخوف.ذهب أبو سمير ثم أخذ أولا البنت الصغرى كما طلبت أمها ذلك منه، ثم دخل ليخرج سمير وأول ما بدأ في حمله ابتلت يداه، وهنا أخرج يداه بسرعة ثم بدأ يقلبها ويتحسس يداه، ثم شم يداه، أف..أف..إنه البول، قلب سمير على ظهره إلا وهو يرى سرواله مبتلا تماما ، أبعد عنه الفرش وأعطاه فرش آخر.
كل هذا وأم سمير تنتظر بفارغ الصبر، فتارتا تنظر خلفها، وتارة أخرى تحت سريرها، وتارة تنظر يمنة ويسرة، وتارة تتوه في التفكير خوفا على زوجها و ابنها إذ لماذا تأخرا في المجيئ، فلربما حصل لهما مكروه – لا سمح الله – وربما قتلهما الجني، هكذا كانت تفكر.
وأثناء تفكيرها رأت زوجها يخرج بمفرده، وهنا تسلل إلى دماغها حسبان آخر، فهي تعتقد أن سمير قد خطفه الجني، كادت أن تصيح لكن زوجها أبو سمير كان حكيما، إذ أسرع بتجاهها وهو مبتسما كي تشعر بالطمأنينة وهو يلوح بكفيه إلى الأسفل أي لا تخافي إبنك في أمان.
هو خرج دون أن يأخذ سمير لأنه يريد أن يخبرها أن مصدر الصوت الذي سمعته هو تبول سمير على ملابسه وعلى فراشه وسريره، لدرجة أنه نزل على البلاط، لهذا هو خرج ليعيد أخت سمير إلى سريرها، وعندما أخبر أم سمير بذلك أخرجت نفسا عميقا، وكأنها تقول لقد ارتحت الآن.
المهم من تلك الليلة وما بعدها عانى سمير كثيرا، إذ أصيب بالتبول اللا إرادي، أو ما يسمى بالتبول الليلي، والسبب في ذلك خوفه الشديد من المدرسة، لقد سبب له ذلك الخوف صدمه قوية مما أصابه بذلك المرض (التبول الليلي).
لقد عانى سمير كثيرا بسبب هذا التبول، لقد استمر في معاناته تلك لأكثر من عشر سنوات، أي أنه لم يشفى من ذلك المرض إلا بعد أن أصبح في السابعة عشر من عمره.
وما جعل مشكلة التبول الليلي اللا إرادي مزمنا هو ضعف الوعي بالأمراض والمخاوف النفسية، كم سعت أم سمير تبحث عن علاج ملائم لسمير، فتارة تقوم بستعمال الوصفة السحرية التي قدمها المشعوذ فلان، وتارة تذهب بحثا عن ما تسميه “دله” أي العلاج الشعبي الصادر عن ذوي الخبرة والكفاءة، وتارة تذهب إلى ضريح الولي فلان، وتارة..وتارة..وتارة..وفي كل مرة تبيئ محاولتها بالفشل، أما أبو سمير لم يكلف نفسه شيئ للبحث عن علاج ملائم والسبب لأنه كان يعتقد أن هذا مرض طفولي، أي أنه كان يعتقد أن كل طفل يصاب بهكذا داء، والمحزن جدا أن سمير أصيب برخو في عضلات التحكم بالبول من شدة الإزمان.

اظهر المزيد
قرية بدر حسون البيئية خان الصابون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock