بلدية طرابلس
أقلام وأفكار حرة

*خاص مدينتي – خروج مؤقت”.. فُجائي! بقلم: هنادي الشيخ نجيب

“خروج مؤقت”.. فُجائي!
بقلم: هنادي الشيخ نجيب

علامة من علامات آخر الزمان، لا تُذَمُّ ولا تُمدَح، لأنها تتعلّق بمن تظهر به، فهي إما رحمةٌ ومثوبة، وإمّا أسفٌ وعقوبة، كلّ بحسب حاله مع ربه، وبما سبق من عمله..

علامة تناولتها في برنامجي الإذاعي #علامة_فوق_الوسط، وطرحتها للاتعاظ والاعتبار..
واليوم أُخرِجها من ثوبها الإذاعي، وأضعها في قالب المقالة، لأؤكد على فحواها، وأذكّر نفسي أولاً، ثم إخواني وأخواتي، أنّ الحياة مهما طالت فهي قصيرة، وأنّها مهما عظُمت فهي في ميزان الله حقيرة، وأن العمر أنفاس معدودة، وأن الفوز لمن قطع الأمل من الاستئناف والعودة، وحسّن العمل بالإتقان والجودة، وسلك سبيل الفلاح واجتنب الطرقات المسدودة، وانتظر الأجَلَ بالاستقامة والتقوى المعهودة..

إنه موت الفجأة.. وما أكثر ما صرنا نسمع عنه.. يكاد لا يمرّ يوم إلا ويطالعنا خبر من غادر الحياة، ممّن كان يُرجى له طول العمر..
موت الفجأة.. إمّا راحةٌ ونعمة، وإمّا غضبةٌ ونقمة..

صحيح أنّه بات يشكّل في العموم ظاهرة، تدل على قُرْب الآخرة، لكنه على المستوى الفردي مرعب، بسبب عنصر المفاجأة والمباغتة..

مفاجأةٌ على هيئة غَيبةٍ مفجعة، مقرونةٌ بالصدمةِ الموجعة، ممزوجةٌ باللوعة المفزعة!
مفاجأةٌ تأخذُ أحدَنا على غِرّة، فتريه ساعته، وتحيله إلى أوان السكون والفترة..
علامةُ تتنقلُ أوقاتُها، وتتلّون أشكالها، وتختلف أعمارُ ضحاياها..

وردت هذه العلامة في حديث نبيّنا صلى الله عليه وسلم، في قوله: “إنّ من أمارات الساعة أن يظهر موتُ الفجأة”، ويا لها من مفاجأة قد تسرّ،ُ وقد تَضرّ، ومصيرنا “نحن” على المحك..
وجاء في الحديث أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام: “موتُ الفجأة راحةٌ للمؤمن، وأخْذةُ أسف أو غضب للكافر”، وهذا ما يجعلها علامة مخيفة على المستوى الشخصي، لأننا سنكون نحن معيار الراحة فيها أو الغضب، وللخيبة أو الفلاح سنكون وحدنا يومها السبب..
لا شك أننا ننا نجتهد في هذه الحياة، والطموحات ملأ قلوبنا، وننطلق كالسّهم هنا وهناك خلف مبتغانا، ونعرقُ، ونتعب، ونسعى، لأجل استقرار دنيانا.. نتنقل من أملٍ إلى أمل، ومن عملٍ إلى عمل، نسابق ساعاتِنا التي تمضي على عجل..
كم أرهقنا تطلُّعنا لجاه أو مركز أو منصب!
كم خطّطنا لسفرٍ أو وظيفةٍ أو مسكنٍ أو مركب!
كم شغلتنا أموالنا وأولادنا، واستسهلنا في سبيلهم كلَّ نصب!
يا الله، كم للدنيا من فتنٍ وشواغل، أرهقتِ الكواهل، وتورّمت من أجلها الكواحل!
وبينما أحدُنا في رخاءٍ وصحةٍ وعافية، منغمسٌ في عمله وعُمْلَته، يدقق حساباته على مدار الدقيقة والثانية، وفيما واحدنا يتقلّب في غمرةِ السعادة بما حَصَّل، أو في وهدةِ الحسرة لما خَسِر، وبينما شابُّنا مجتمعٌ بمن يحبّ، أو مُحْتَضَنٌ ممن اختاره للقرب، يسمع من يكلّمه، ويحدّث من يناقشه، وينظر لمن يحاوره، لا يشكو من مرض، ولا يعالج من عرض، وبلا شيخوخة ولا هرم، ولا ضعف ولا سَقَم؛ إذا بلحظةٍ رهيبة، ومفاجأةٍ غريبة، يتوقف معها كلُّ شيء.. إذا بالحيّ يرى ملك الموت، يطالبه بالوديعة، ويجتاحه بالصرعة، فلا استئناف ولا تأجيل، ولا مجال للتمهّل أو الرجعة!

ألا تسمعون مؤخراً هذه الأحاديث المتداولة: “خرج فلم يعد”، “بنى فلم يسكن”، “خطط فلم ينفذ”، “جمع فلم ينفق”، “سافر فلم يرجع”، “نام فلم يستيقظ”؟!
أليست تلك الأحداث بمثابة علامات مخيفة، تحتاج إلى انتباه دائم واستعداد؟
ألم يأتكم خبر من كان في مجلس يتحدّث، منسجمًا بآخر الأخبار، فصار هو الخبر قبل آخر النهار؟!
فهل من معتبر ومستعدّ، لما قد يفجؤنا، ويفجعنا على غير موعد؟!
فيا غافلًا عن ساعةٍ مقرونة بنوادبٍ وصوارخَ وثواكلِ
قدّم لنفسِكَ قبل موتك صالحًا فالموتُ أسرعُ من نزولِ الهاطلِ
تبغي من الدنيا الكثير وإنّما يكفيكَ من دنياك زادُ الراحِلِ
إنها علامةٌ من علامات آخر الزمان، لكنها تحمل معها على مدار الساعة نهاية قصة إنسان!
كلّما طلع علينا صباح، عددنا أنفسنا بأننا نعيش في زمن الإمهال، والمطلوب: أن لا نحوّله إلى زمن الإهمال، والإقلال من الأعمال.
والمطلوب أيضاً، بعيدًا عن اليأس والنكد، أن نعقد حفلة وداع يومية للدنيا، حتى لا نتفاجأ، وأن ننظّم سهرة محاسبة ليلية فردية، حتى لا نندم، وأن نستحضر الآخرة القريبة ونحن نعدّ لائحة الواجبات الطويلة.
كلّ ذلك لأننا معرّضون، ودون سابق إخطار ولا إنذار، لهجومٍ تنسلّ به الروح، بلا مقدّمات ولا علامات..
نعم، نحن معرّضون لصفرةٍ تعتري الجسد، ولشخوص بصرٍ كان ينظر للغد، ولبردٍ يغتال مرارة الكدّ..
وبسرعةٍ، ودون أدنى تنبيه، سيذهب كلّ شيء، ويقال: “مات”، “لقد غادر الحياة”..
وإنها لمن أشدِّ المصائب، وأصعب المفاجآت:
فاغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ فعسى أن يكونَ موتُك بغتة
كم صحيح رأيتُ من غير سُقْم ذهبت نفسُه الصحيحة فلتة

هل سمعتم بأقصر قصة حزينة؟ أعلم أنكم لا تقرؤون القصص الطويلة، لذلك اخترت لكم هذه الومضة، لعل فيها النّجاة، مما قد يسؤوكم من المفاجآت.
تقول القصة: “وبعد أن مات “فجأة” في حادثٍ، دون استعداد، أُخِذ إلى النار، بعد أن فرّط بالزاد، ونسي المعاد، نظر حوله، وعن رفاقه سأل، وقد كانوا معه في كل خطوةٍ، ينهلون مما نهل، ويبذلون ما بذل، فقيل له: تابوا جميعًا، بعد أن رأوك صريعًا”. انتهت القصة ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)﴾ [الحشر].

نحن نعرف بأن أسباب موت الفجأة كثيرة، ونعرف تماماً بأنّ بعد هذا الخروج المؤقت الفجائي، لقاء حتمي، ومآل دائم. فكم من بيننا مات بسكتة قلبية، أو جلطة دماغية، أو حادث سيارة، أو سقوط طيارة، أو اصطدام قطار، أو زلزالٍ أو إعصار أو انفجار، أو برصاصة طائشة أو بجريمة مروّعة.. وإننا مع هذه الأحداث المتكررة، نرجو ربّنا أن يعيننا على فعل ما يحبّ أن يرانا عليه، وعلى ترك ما لا يحبّ أن نقع فيه، ويلهمنا دوام اليقظة والتجهّز لما نحن مقدمون عليه.
ودعاؤنا كما ورد على لسانِ نبيّنا صلى الله عليه وسلم: “اللهم إنّا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءةِ نقمتك، وجميع سخطك”، ويقيننا بأن من أحبّ لقاء الله، أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه؛ وحبّ اللقاء يكون بسابق الاستعداد، وفعل الطاعات، واكتساب الحسنات، وحسن استثمار الأوقات ..
اللهم اجعلنا منهم، وأكرمنا بلقائك وأنت راضٍ عنا.. يا رب العالمين

اظهر المزيد
قرية بدر حسون البيئية خان الصابون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock